خطبة الجمعة القادمة 30 يناير : بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى، للدكتور محروس حفظي
خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بعنوان : بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى، للدكتور محروس حفظي بتاريخ 11 شعبان 1447هـ الموافق 30 يناير 2026م
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى.
ولتحميل خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى، بصيغة word أضغط هنا.
لتحميل خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م ، للدكتور محروس حفظي بعنوان : بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى، بصيغة pdf أضغط هنا.
___________________________________________________________
عناصر خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م. بعنوان: بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى ، للدكتور محروس حفظي :
(1) اسْتِشْعَارُ نِعْمَةِ الْأَمْنِ، وَضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا.
(2) جُهُودُ وَتَضْحِيَاتُ رِجَالِ الشُّرْطَةِ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ الدِّفَاعِ عَنِ الْوَطَنِ.
(3) فَضْلُ حِرَاسَةِ مُقَدَّرَاتِ الْوَطَنِ، وَالدِّفَاعِ عَنْهَا.
(4) النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ضَرَبَ أَعْظَمَ الْأَمْثِلَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَرْضِهِ.
(5) رِجَالُ الشُّرْطَةِ يُقَدِّمُونَ مَصْلَحَةَ الْوَطَنِ الْعَامَّةَ عَلَى مَصَالِحِهِمُ الْخَاصَّةِ.
(6) فَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَمَشْرُوعِيَّةُ إِحْيَائِهَا.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بعنوان: بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
بُطُولَاتٍ لَا تُنْسَى
بِتَارِيخِ 11 شعبان 1447 ه = المُوَافِقِ 30 يناير 2026 م
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ،،،،
(1) اسْتِشْعَارُ نِعْمَةِ الْأَمْنِ، وَضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا.
مِصْرُ صِمَامُ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ عَبْرَ تَارِيخِهَا الطَّوِيلِ: وَصَفَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ثَلَاثَةَ أَمَاكِنَ بِالْأَمْنِ هِيَ: «الْجَنَّةُ» {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الْحِجْرِ: 46]، وَ«مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ» {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [الْفَتْحِ: 27]، وَ«مِصْرُ»: عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَلَبَ مِنْ وَالِدَيْهِ دُخُولَ «مِصْرَ» مُخْبِرًا إِيَّاهُمَا بِاسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ بِهَا {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يُوسُفَ: 99]، وَمَا صَارَتْ «مِصْرُ» مَرْكَزَ تَوْزِيعِ الْغِلَالِ لِلْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يُوسُفَ: 55]، وَمَحَطَّ كُلِّ غَرِيبٍ إِلَّا بِانْتِشَارِ الْأَمْنِ الْمُجْتَمَعِيِّ فِيهَا حَيْثُ تَفَرَّغَ أَهْلُهَا لِلزِّرَاعَةِ؛ لِتَحْقِيقِ هَدَفِهِمْ، وَلِذَا جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – مِنْ «فِلَسْطِين» طَالِبِينَ الْحِنْطَةَ {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يُوسُفَ: 88].
قَالَ ابْنُ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيُّ: (وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: أَنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا مُضْطَرُّونَ إِلَى «مِصْرَ»، يُسَافِرُونَ إِلَيْهَا، وَيَطْلُبُونَ الرِّزْقَ بِهَا، وَأَهْلُهَا لَا يَطْلُبُونَ الرِّزْقَ فِي غَيْرِهَا، وَلَا يُسَافِرُونَ إِلَى بَلَدٍ سِوَاهَا، حَتَّى لَوْ ضُرِبَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِلَادِ الدُّنْيَا لَغَنِيَ أَهْلُهَا بِمَا فِيهَا عَنْ سَائِرِ بِلَادِ الدُّنْيَا). أ.هـ. [فَضَائِلُ مِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ].
أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، بِهَا يُعْبَدُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ، وَبِهَا تُحْفَظُ الدِّمَاءُ، وَبِهَا تُصَانُ الْأَعْرَاضُ أَنْ تُنْتَهَكَ، وَالْأَمْوَالُ أَنْ تُسْلَبَ، وَالْأَرْضُ أَنْ تُغْتَصَبَ، وَهَكَذَا كُلُّ طَاعَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ مَرَدُّهَا فِي الْأَسَاسِ إِلَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ، وَلِذَا قَدَّمَهَا السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ عَلَى طَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَنَافِعِ الْمَادِّيَّةِ فَقَالَ {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [الْبَقَرَةِ: 126]؛ إِذْ بِالْأَمْنِ يَحْصُلُ الِاسْتِقْرَارُ، وَالْبِنَاءُ وَالْعُمْرَانُ، وَانْظُرْ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ إِذَا نُزِعَ الْأَمْنُ مِنْهَا، كَيْفَ حَالُهَا مِنَ الْخَرَابِ وَالْكُسَادِ.
وَلِذَا عَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَمْلِكُ هَذِهِ النِّعْمَةَ فَكَأَنَّمَا أُعْطِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا؛ فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ].
قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْقَاهِرِيُّ: (يَعْنِي مَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ عَافِيَةِ بَدَنِهِ، وَأَمْنِ قَلْبِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَ، وَكَفَافِ عَيْشِهِ بِقُوتِ يَوْمِهِ، وَسَلَامَةِ أَهْلِهِ، فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ النِّعَمِ الَّتِي مَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا لَمْ يَحْصُلْ عَلَى غَيْرِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ يَوْمَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِشُكْرِهَا بِأَنْ يَصْرِفَهَا فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ لَا فِي مَعْصِيَتِهِ، وَلَا يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِهِ). أ.هـ. [فَيْضُ الْقَدِيرِ شَرْحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ].
أَخْبَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ الْأَمْنُ لِلْوَطَنِ تَحَقَّقَ الْخَيْرُ وَالِاسْتِقْرَارُ، وَالْبِنَاءُ وَالتَّعْمِيرُ {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سَبَإٍ: 18]؛ وَلِذَا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى «قُرَيْشٍ» بِنِعْمَةِ «الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ»، وَذَكَّرَهُمْ بِهَا {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [الْعَنْكَبُوتِ: 67]، {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قُرَيْشٍ: 4].
(٢) جُهُودُ وَتَضْحِيَاتُ رِجَالِ الشُّرْطَةِ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ الدِّفَاعِ عَنِ الْوَطَنِ:
أَعْظَمُ صُوَرِ «الْوَفَاءِ» أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِلتَّضْحِيَةِ بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِهِ؛ «قِيلَ: لِأَعْرَابِيٍّ: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْبَادِيَةِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، وَانْتَعَلَ كُلُّ شَيْءٍ ظِلَّهُ؟ قَالَ: وَهَلِ الْعَيْشُ إِلَّا ذَاكَ، يَمْشِي أَحَدُنَا مِيلًا، فَيَرْفَضُّ عَرَقًا، ثُمَّ يَنْصِبُ عَصَاهُ، وَيُلْقِي عَلَيْهَا كِسَاءَهُ، وَيَجْلِسُ فِي فَيْئَةٍ يَكْتَالُ الرِّيحَ، فَكَأَنَّهُ فِي إِيوَانِ كِسْرَى». [رِسَالَةٌ فِي الْحَنِينِ إِلَى الْأَوْطَانِ، مِنْ «رَسَائِلِ الْجَاحِظِ»].
فُطِرَ الْإِنْسَانُ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ وَطَنِهِ، وَالْحِفَاظِ عَلَى مُقَدَّرَاتِهِ، يَنْبِضُ بِذَلِكَ قَلْبُهُ، وَيَجْرِي فِي دَمِهِ؛ فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ].
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ: (قَدْ طَبَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ إِلَى التَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ، وَإِذَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا شَهِيدًا، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ دَافَعَ عَنْ مَالِهِ أَوْ عَنْ أَهْلِهِ أَوْ دِينِهِ إِذَا أُرْبِدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، فَأُتِيَ الْقَتْلُ عَلَيْهِ كَانَ مَأْجُورًا فِيهِ، نَائِلًا بِهِ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ قَوْمٌ زَعَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ، وَلَا يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَحَادِيثَ رُوِيَتْ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ فِي الْفِتَنِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا جَاءَ هَذَا فِي قِتَالِ اللُّصُوصِ، وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَأَهْلِ الْبَغْيِ، وَالسَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَمَنْ دَخَلَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَيْثِ وَالْإِفْسَادِ). أ.هـ. [مَعَالِمُ السُّنَنِ].
الْمُدَافِعُ عَنْ وَطَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ إِنْ مَاتَ، يَسْتَمِرُّ مَعَهُ أَجْرُهُ، وَرِزْقُهُ فِي قَبْرِهِ؛ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “كُلُّ الْمَيِّتِ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُؤَمَّنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
رَغَّبَتِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ، فَبَشَّرَتِ الشَّهِيدَ بِبُشْرَيَاتٍ عَظِيمَةٍ؛ فَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 170]، قَالَ: «أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» [مُسْلِمٌ].
الدِّفَاعُ عَنِ الْأَوْطَانِ مِنْ صِفَاتِ «الْمُؤْمِنِينَ» {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشُّورَى: 39]، «بَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ إِذَا ظَلَمَهُمْ ظَالِمٌ، أَوِ اعْتَدَى عَلَى كَرَامَتِهِمْ، أَوْ عَلَى دِينِهِمْ مُعْتَدٍ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْضَعُونَ لَهُ، وَلَا يَذِلُّونَ أَمَامَهُ، وَإِنَّمَا هُمْ يَنْتَصِرُونَ بِأَنْ يُقَابِلُوا بَغْيَهُ، وَعُدْوَانَهُ، بِمَا يَرْدَعُهُ، وَيَجْعَلُهُ يَخْشَى إِصَابَتَهُمْ بِأَذًى». [التَّفْسِيرُ الْوَسِيطُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ].
وَعَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
أَلْمَحَ الْقُرْآنُ إِلَى أَنَّ «الدِّفَاعَ عَنِ الْوَطَنِ» غَرِيزَةٌ فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مُعْتَقَدَاتِهِمْ؛ فَمَا بَالُنَا إِذَا كَانَ هَذَا مُبْنِيًّا عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ؟!، فَـ«مَلِكَةُ سَبَأَ» حِينَ أَرْسَلَ سُلَيْمَانُ– عَلَيْهِ السَّلَامُ– كِتَابًا يَأْمُرُهَا، وَقَوْمَهَا أَنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ، فَجَمَعَتْ قَادَتَهَا، وَاسْتَشَارَتْهُمْ، فَكَانَ رَدُّهُمْ: {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النَّمْلِ: 33].
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَاشُورٍ: (هَذَا الْجَوَابُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ لِلدِّفَاعِ عَنْ مُلْكِهِمْ، وَتَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ يَمِيلُونَ إِلَى الدَّفْعِ بِالْقُوَّةِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِهَهُمْ عَلَى الدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُهُ عَلَى مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى هَذَا). أ.هـ.
وَفِي «قِصَّةِ طَالُوتَ، وَجَالُوتَ» قَالَ نَفَرٌ مِنَ النَّاسِ لِنَبِيِّهِمْ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، إِنَّ الْبَوَاعِثَ مُتَوَفِّرَةٌ، وَالْأَسْبَابَ مُهَيَّأَةٌ لِلدِّفَاعِ عَنْ أَرْضِنَا، فَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا، وَحِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فِلَذَاتِ أَكْبَادِنَا، فَهُمْ جَزَمُوا أَنَّ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ لِعِزَّتِهِمْ إِنَّمَا هُوَ «صَدُّ عَدُوِّهِمْ، وَالدِّفَاعُ عَنْ وَطَنِهِمْ»، وَهٰذَا الْأَمْرُ لَا مَهَانَةَ فِيهِ وَلَا جِدَالَ:
{قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [الْبَقَرَةِ: 246].
تَتَفَجَّرُ جَمِيعُ الْقُوَى الْكَامِنَةِ فِيكَ إِذَا وَقَعَ اعْتِدَاءٌ عَلَى وَطَنِكَ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ يُهَيِّجُ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُغِيرُهُمْ عَلَى قِتَالِ أَعْدَائِهِمْ بِدُونِ تَرَدُّدٍ أَوْ تَهَيُّبٍ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى أَنْ يَجْعَلُوا جِهَادَهُمْ مِنْ أَجْلِ نُصْرَةِ الْحَقِّ، لَا مِنْ أَجْلِ الْمَطَامِعِ أَوِ الشَّهَوَاتِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الْبَقَرَةِ: 190].
إِنَّهُ إِعْلَانٌ صَرِيحٌ أَنْ يَتَجَرَّدَ الإِنْسَانُ مِنْ كُلِّ غَرَضٍ سِوَى «رَدِّ أَرْضِهِ وَعِرْضِهِ» حِسْبَةً لِلَّهِ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: “مَنْ قَاتَلَ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
(3) فَضْلُ حِرَاسَةِ مُقَدَّرَاتِ الْوَطَنِ، وَالدِّفَاعِ عَنْهَا: وَمَنْ بَاتَ سَاهِرًا مُرَابِطًا عَلَى ثُغُورِ وَطَنِهِ؛ لِيَكْسِرَ مَطَامِعَ الْأَعْدَاءِ، وَيَصُدَّهُمْ عَنْ تَحْقِيقِ مَآرِبِهِمْ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي الْحَنَفِيُّ: (إِذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حَرَسٍ، فَالْحَرَسُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْحَرَسِ مَنْ يَكْفِيهِ وَيَسْتَغْنِي بِهِ، فَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْرُسُ أَيْضًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَغْفَلَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذٰلِكَ، فَيَجْمَعُ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا أَفْضَلُ). أ.هـ.
[الرَّدُّ عَلَى سِيَرِ الْأَوْزَاعِيِّ].
عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسُ حَرْسٍ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ”. [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى»، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ»].
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ” [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه].
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يُقَرِّرُ فِي الْخُلُقِ أَهَمِّيَّةَ حِرَاسَةِ الْوَطَنِ، وَالدِّفَاعِ عَنْهُ؛ فَعَنْ أَرْطَأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: “لِجُلَسَائِهِ أَيُّ النَّاسِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ لَهُ الصِّيَامَ، وَالصَّلَاةَ، قَالَ: وَيَقُولُونَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْظَمِ النَّاسِ أَجْرًا مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ، وَمِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ: رُوَيْجِلٌ بِالشَّامِ آخِذٌ بِلِجَامِ فَرَسِهِ، يَكْلَأُ مِنْ وَرَاءِ بَيْضَةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَدْرِي أَسَبُعٌ يَفْتَرِسُهُ، أَمْ هَامَةٌ تَلْدَغُهُ، أَوْ عَدُوٌّ يَغْشَاهُ، فَلِذٰلِكَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِمَّنْ ذَكَرْتُمْ، وَمِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ». [رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِ دِمَشْقَ»].د
(4) النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ضَرَبَ أَعْظَمَ الأَمْثِلَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَرْضِهِ:
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْرًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
قَوْلُهُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا»: «فَلَا تَخَافُوا خَوْفًا مُسْتَقِرًّا، أَوْ خَوْفًا يَضُرُّكُمْ”.
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «الْمُسْنَدِ»].
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْبَرَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ الْبَرَاءُ، وَأَنَا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ»، قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
(5) رِجَالُ الشُّرْطَةِ يُقَدِّمُونَ مَصْلَحَةَ الْوَطَنِ الْعَامَّةَ عَلَى مَصَالِحِهِمُ الْخَاصَّةِ:
حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَيَتَصَدَّوْنَ بِكُلِّ حَزْمٍ لِحَمَلَاتِ التَّخْرِيبِ وَالإِفْسَادِ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الْمَائِدَةِ: 33]؛ وَاضِعِينَ أَرْوَاحَهُمْ فِدَاءً لِغَيْرِهِمْ؛ لِيَبْقَى الْوَطَنُ قَوِيًّا، قَادِرًا عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا، مُمَثِّلِينَ قَوْلَ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتِ» فِي مَدْحِ «عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ» أَوْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ»:
إِنَّ الْبِلَادَ سِوَى بِلَادِكَ … ضَاقَ عَرْضُ فَضَائِهَا
فَاجْمَعْ بَنِيَّ إِلَى بَنِيكَ … فَأَنْتَ خَيْرُ رُعَائِهَا
نُشْهِدْكَ مِنَّا مَشْهَدًا … ضَنْكًا عَلَى أَعْدَائِهَا
نَحْنُ الْفَوَارِسُ مِنْ قُرَيْشٍ … يَوْمَ جِدِّ لِقَائِهَا
حِينَ انْدَلَعَتِ الْحَرْبُ فِي الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ تَوَلَّتِ الشُّرْطَةُ الْمِصْرِيَّةُ حِمَايَةَ «الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ»، وَتُشِيرُ الإِحْصَاءَاتُ الْجِنَائِيَّةُ لِتِلْكَ الْفَتْرَةِ – وَهُوَ مَا أَكَّدَهُ خُبَرَاءُ الأَمْنِ – إِلَى ظَاهِرَةٍ فَرِيدَةٍ هِيَ: انْخِفَاضُ مُعَدَّلَاتِ الْجَرِيمَةِ إِلَى مُسْتَوَيَاتٍ قِيَاسِيَّةٍ خِلَالَ أَيَّامِ الْحَرْبِ مِنْ 6 إِلَى 24 أُكْتُوبَرَ 1973م، فَكَادَتْ مَحَاضِرُ الشُّرْطَةِ تَخْلُو مِنَ الْجَرَائِمِ الْجِنَائِيَّةِ الْمُعْتَادَةِ (السَّرِقَاتِ، الْمُشَاجَرَاتِ)، وَذٰلِكَ بِفَضْلِ:
الرُّوحِ الْوَطَنِيَّةِ الْعَالِيَةِ.
الْيَقَظَةِ الأَمْنِيَّةِ غَيْرِ الْمَسْبُوقَةِ لِرِجَالِ الشُّرْطَةِ.
ضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَى مَا يُقِيمُ، وَيُبْقِي وَطَنًا قَوِيًّا، قَادِرًا عَلَى التَّصَدِّي لِأَيِّ اعْتِدَاءٍ خَارِجِيٍّ؛ وَلِذٰلِكَ يَأْمُرُنَا اللَّهُ بِإِعْدَادِ الْعُدَّةِ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الْأَنْفَالِ: 60].
وَلَفْظُ «الْقُوَّةِ» هُنَا عَامٌّ يَشْمَلُ: الْقُوَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ، وَالِاقْتِصَادِيَّةَ، وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَالتَّعْلِيمِيَّةَ … إِلْخ.
يَقُولُ ابْنُ عَاشُورَ: («وَالْقُوَّةُ»: كَمَالُ صَلَاحِيَّةِ الْأَعْضَاءِ؛ لِعَمَلِهَا، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى سَبَبِ شِدَّةِ التَّأْثِيرِ، فَقُوَّةُ الْجَيْشِ: شِدَّةُ وَقْعِهِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَقُوَّتُهُ أَيْضًا سِلَاحُهُ وَعُدَّتُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا…، فَاتِّخَاذُ السُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ، وَالْأَقْوَاسِ، وَالنِّبَالِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي جُيُوشِ الْعُصُورِ الْمَاضِيَةِ، وَاتِّخَاذُ الدَّبَّابَاتِ، وَالْمَدَافِعِ، وَالطَّيَّارَاتِ، وَالصَّوَارِيخِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي جُيُوشِ عَصْرِنَا») أ.ه. [التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ].
أَمَّا قَتِيلُ الْبَاطِلِ: أَمَّا مَنْ يَسْفِكُ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ، وَيُزَعْزِعُ اسْتِقْرَارَ الْأَوْطَانِ، وَيُرَوِّعُ الْآمِنِينَ فَذَاكَ قَتِيلُ الْبَاطِلِ، وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤَيِّدُهُ دِينٌ، وَلَا يَقْبَلُهُ عَاقِلٌ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
الْعَطَاءُ مَا زَالَ مُسْتَمِرًّا، وَالدِّفَاعُ مَا زَالَ بَاقِيًا: مِنْ بَابِ إِسْنَادِ الْفَضْلِ إِلَى أَهْلِهِ، وَمِنْ مُنْطَلَقِ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]، فَإِنَّنَا نُقَدِّمُ الشُّكْرَ وَالْعِرْفَانَ لِرِجَالِنَا «رِجَالِ الشُّرْطَةِ الْبَوَاسِلِ» الَّذِينَ لَا يَأْلُونَ جُهْدًا فِي تَحْقِيقِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَالْقَضَاءِ عَلَى بُؤَرِ الْإِرْهَابِ وَالْإِجْرَامِ، وَالتَّضْحِيَةِ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَلَهُمْ فَضْلُ السَّبْقِ بَعْدَ اللَّهِ – تَعَالَى – فِي إِعَادَةِ الِانْضِبَاطِ إِلَى شَوَارِعِنَا، وَتَحْقِيقِ السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التَّوْبَةِ: 111].
لِذَا يَجِبُ إِحْيَاءُ هَذِهِ الْقِيَمِ فِي نُفُوسِ أَوْلَادِنَا؛ لِيَنْشَأُوا عَلَى مَحَبَّةِ وَطَنِهِمْ، وَالدِّفَاعِ عَنْهُ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُونَ، وَتَتَشَكَّلَ لَدَيْهِمْ حِصَانَةٌ تِجَاهَ الدَّعَوَاتِ الْهَدَّامَةِ الَّتِي تُشَكِّكُ فِي نَزَاهَةِ «جَيْشِنَا الْبَاسِلِ» الَّذِي ضَرَبَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ تُرَابِ هَذَا الْوَطَنِ عَبْرَ تَارِيخِهِ الْمَجِيدِ، فَمَا أَعْظَمَ وَفَاءَ رِجَالَاتِهِ، وَمَا أَقْوَى عَزِيمَتَهُمْ، هُمْ فَخْرُ أُمَّتِنَا، وَعُنْوَانُ صُمُودِنَا، فَلْنَصْطَفَّ خَلْفَهُمْ، وَنُرَبِّيَ أَجْيَالَنَا عَلَى أَنْ يَكُونُوا نَمُوذَجًا حَيًّا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَالسَّيْرِ عَلَى مَنْوَالِهِمْ فِي مَسِيرَةِ الْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ.
إِنَّ حِمَايَةَ الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ تَضَامُنِيَّةٌ تَتَكَامَلُ فِيهَا يَقَظَةُ رِجَالِ الشُّرْطَةِ مَعَ الْوَعْيِ الْفِكْرِيِّ الَّذِي تَبْنِيهِ الْمُؤَسَّسَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ؛ لِصَدِّ مُحَاوَلَاتِ النَّيْلِ مِنِ اسْتِقْرَارِ الْوَطَنِ، وَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ مِنْ مَلْحَمَةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ إِلَى نَصْرِ أُكْتُوبَرَ أَنَّ تَمَاسُكَ الدَّاخِلِ هُوَ الظَّهِيرُ الْحَقِيقِيُّ لِلنَّصْرِ الْعَسْكَرِيِّ، وَأَنَّ اسْتِهْدَافَ حُمَاةِ الْأَمْنِ هُوَ اسْتِهْدَافٌ لِكِيَانِ الدَّوْلَةِ بِأَسْرِهِ؛ لِذَا يَظَلُّ الْحِفَاظُ عَلَى نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَاجِبًا شَرْعِيًّا وَوَطَنِيًّا، يَفْرِضُ عَلَيْنَا الِالْتِفَافَ حَوْلَ مُؤَسَّسَاتِنَا الْوَطَنِيَّةِ، عِرْفَانًا بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، وَضَمَانًا لِمُسْتَقْبَلٍ تَسُودُهُ الطُّمَأْنِينَةُ وَالْبِنَاءُ.
(6) فَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَمَشْرُوعِيَّةُ إِحْيَائِهَا:
خَصَّ اللَّهُ أُمَّةَ سَيِّدِ الْأَنَامِ بِمِنَحٍ وَعَطَايَا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي تُضَاعَفُ فِيهَا الْأُجُورُ، وَتُحَطُّ فِيهَا الْأَوْزَارُ، مَا يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَيَسْعَى إِلَى تَحْصِيلِهِ الْعُقَلَاءُ الْأَخْيَارُ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَدِ امْتَنَّ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ الْعَظِيمَةِ كَيْ يَتَّعِظَ الْعَاقِلُ، وَيَنْتَبِهَ الْغَافِلُ؛ فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ].
وَقَدِ اخْتَصَّ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذَا شَهْرَ شَعْبَانَ: لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْهُ وَنَهَارَهَا، وَفَضَّلَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيهِ، وَرَغَّبَ فِي إِحْيَائِهَا، وَاغْتِنَامِ نَفَحِهَا؛ بِقِيَامِ لَيْلِهَا وَصِيَامِ نَهَارِهَا؛ سَعْيًا لِنَيْلِ فَضْلِهَا، وَتَحْصِيلِ ثَوَابِهَا، وَمَا يَنْزِلُ فِيهَا مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ؛ وَقَدْ دَرَجَ عَلَى إِحْيَاءِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَالِاحْتِفَالِ بِهَا الْمُسْلِمُونَ سَلَفًا وَخَلَفًا عَبْرَ الْقُرُونِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ: «أَنْ عَلَيْكَ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُفْرِغُ فِيهِنَّ الرَّحْمَةَ إِفْرَاغًا: أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى» [التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ]؛ وَاعْتَنَى الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ؛ لِمَا لَهَا مِنَ الْفَضْلِ، وَزَادَ اعْتِنَاؤُهُمْ بِهَا حَتَّى أَفْرَدُوا فِي فَضْلِهَا وَإِحْيَائِهَا وَبَيَانِ خَصَائِصِهَا أَجْزَاءَ حَدِيثِيَّةً وَرَسَائِلَ؛ مِنْهَا: «لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَفَضْلُهَا» لِلْحَافِظِ ابْنِ الدُّبَيْثِيِّ صَاحِبِ «الذَّيْلِ عَلَى تَارِيخِ بَغْدَادَ» [ت: 637هـ]، وَ«الْإِيضَاحُ وَالْبَيَانُ لِمَا جَاءَ فِي لَيْلَتَيِ الرَّغَائِبِ وَالنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ» لِلْإِمَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ [ت: 974هـ]، وَ«التِّبْيَانُ فِي بَيَانِ مَا فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ» لِلْمُلَّا عَلِيِّ الْقَارِيِّ [ت: 1014هـ]، وَ«فَضَائِلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ» لِلْعَلَّامَةِ سَالِمِ السُّنْهُورِيِّ [ت: 1015هـ]، وَ«رِسَالَةٌ فِي فَضْلِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ» لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ حَسَنَيْنِ مَخْلُوفٍ [ت: 1355هـ]، وَ«حُسْنُ الْبَيَانِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ» لِلْعَلَّامَةِ عَبْدِ اللَّهِ الْغُمَارِيِّ [ت: 1413هـ]، وَ«لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِي مِيزَانِ الْإِنْصَافِ الْعِلْمِيِّ» لِلْإِمَامِ الرَّائِدِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ زَكِيِّ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ [ت: 1419هـ].
وَقَدْ نُقِلَ الْعَمَلُ عَلَى الِاحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيُّ: [وَكَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُعَظِّمُونَهَا – أَيْ: لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ – وَيُشَمِّرُونَ لَهَا قَبْلَ إِتْيَانِهَا، فَمَا تَأْتِيهِمْ إِلَّا وَهُمْ مُتَأَهِّبُونَ لِلِقَائِهَا، وَالْقِيَامِ بِحُرْمَتِهَا عَلَى مَا قَدْ عُلِمَ مِنِ احْتِرَامِهِمْ لِلشَّعَائِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ هَذَا هُوَ التَّعْظِيمُ الشَّرْعِيُّ لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ]. أ.هـ.
فَكَانَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْمُسْتَحَبَّةِ وَالْمَشْرُوعَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ: الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ خَاصَّةً فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، وَالِاجْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَنَشْرُ الصَّدَقَاتِ؛ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَاكِهِيُّ: [ذِكْرُ عَمَلِ أَهْلِ مَكَّةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَاجْتِهَادِهِمْ فِيهَا لِفَضْلِهَا: وَأَهْلُ مَكَّةَ فِيمَا مَضَى إِلَى الْيَوْمِ؛ إِذَا كَانَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ خَرَجَ عَامَّةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّوْا، وَطَافُوا، وَأَحْيَوْا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى الصَّبَاحِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَتَّى يَخْتِمُوا الْقُرْآنَ كُلَّهُ، وَيُصَلُّوا، وَمَنْ صَلَّى مِنْهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِائَةَ رَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِ﴿الْحَمْدُ﴾ – أَيْ: الْفَاتِحَةِ –، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَأَخَذُوا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَشَرِبُوهُ، وَاغْتَسَلُوا بِهِ، وَخَبَّؤُوهُ عِنْدَهُمْ لِلْمَرْضَى، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَيُرْوَى فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ]. أ.هـ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي: [وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: كَانَ التَّابِعُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ كَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَمَكْحُولٍ وَلُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ وَغَيْرِهِمْ، يُعَظِّمُونَهَا وَيَجْتَهِدُونَ فِيهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ النَّاسُ فَضْلَهَا وَتَعْظِيمَهَا]. أ.هـ.
وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا مَقَالٌ إِلَّا أَنَّهَا فِي الْجُمْلَةِ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا؛ لِكَثْرَةِ طُرُقِهَا، وَتَعَدُّدِ رُوَاتِهَا؛ فَيُحْتَجُّ بِهَا؛ فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ؛ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُبَارَكْفُورِيُّ: [بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ… فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَجْمُوعِهَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي فَضِيلَةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ شَيْءٌ]. أ.هـ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ:
فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّرِيفِ مُصَلِّيًا … فَأَشْرَفُ هَذَا الشَّهْرِ لَيْلَةُ نِصْفِهِ
فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ بَاتَ فِي النِّصْفِ آمِنًا … وَقَدْ نُسِخَتْ فِيهِ صَحِيفَةُ حَتْفِهِ
فَبَادِرْ بِفِعْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ … وَحَاذِرْ هُجُومَ الْمَوْتِ فِيهِ بِصَرْفِهِ
– وَأَعْظَمُ عِبَادَةٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ – سُبْحَانَهُ – فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنْ يُصَفِّيَ قَلْبَهُ، وَيُهَذِّبَ نَفْسَهُ مِنَ الْخُصُومَاتِ، وَالشَّحْنَاءِ وَالْعَدَاوَاتِ؛ تَأَهُّبًا وَاسْتِعْدَادًا لِنُزُولِ الرَّحْمَاتِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “يَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ: مُشَاحِنٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
– سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنْ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ –:
– هَذَا إِبْرَاهِيمُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ –: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصَّافَّاتِ: 83–84]، أَيْ: «بِقَلْبٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّرْكِ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْآفَاتِ كَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْخَدِيعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَالْمُرَادُ بِمَجِيئِهِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ: إِخْلَاصُ قَلْبِهِ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ، وَاسْتِعْدَادُهُ لِبَذْلِ نَفْسِهِ وَكُلِّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ فِي سَبِيلِ رِضَا رَبِّهِ – عَزَّ وَجَلَّ –». [التَّفْسِيرُ الْوَسِيطُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ].
– وَهَذَا يُوسُفُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – حِينَمَا الْتَقَى بِإِخْوَتِهِ قَالَ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يُوسُفَ: 92]، ثُمَّ أَعْلَنَ سَلَامَةَ صَدْرِهِ تِجَاهَهُمْ حَيْثُ أَسْنَدَ مَا فَعَلُوهُ مَعَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سِتْرًا عَلَيْهِمْ وَتَأَدُّبًا مَعَهُمْ فَقَالَ حِكَايَةً عَنْهُ: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يُوسُفَ: 100].
– وَقَالَ اللَّهُ عَنْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشَّرْحِ: 1].
قَالَ الْإِمَامُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: «فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الصَّدْرَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَلْبَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَلَّ الْوَسْوَسَةِ هُوَ الصَّدْرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [النَّاسِ: 5]، فَإِزَالَةُ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ، وَإِبْدَالُهَا بِدَوَاعِي الْخَيْرِ، هِيَ الشَّرْحُ، فَلَا جَرَمَ خُصَّ ذَلِكَ الشَّرْحُ بِالصَّدْرِ دُونَ الْقَلْبِ…». [مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ بِاخْتِصَارٍ].
إِنَّ الصَّحَابَةَ حِينَمَا «حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ» فِي شَهْرِ شَعْبَانَ كَانُوا حَرِيصِينَ عَلَى مَنْ سَبَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَسَأَلُوا عَنْ مَصِيرِهِمْ كَأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِمْ، فَعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبْلَ الْبَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
وَهَذَا يُرْشِدُكَ إِلَى حُسْنِ صَفَاءِ النُّفُوسِ، وَصَلَاحِ الْقُلُوبِ، وَحُبِّ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، خَاصَّةً وَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ اسْتِقْبَالِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
أَعَدَّهُ: الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ الحَنَّانِ المَنَّانِ د/ مَحْرُوسُ رَمَضَانُ حِفْظِي عَبْدُ العَالِ
مُدَرِّسُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ ـ كُلِّيَّةُ أُصُولِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ ـ أَسْيُوطُ
_____________________________________
للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة
وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف







